كيف تقرأ الكتاب المقدس

الصفحة الرئيسية


 

  مقدمة
   كيف تقرأ الكتاب المقدس
      - القواعد الفنية
      1 - ضرورة القراءة بالتشكيل
      2 - القراءة في ضوء القرينة

      3 - القراءة مع ملاحظة علامات الترقيم
      4 - القراءة في ضوء اللغات الأصلية
      5 - القراءة مراعيًا أنواع النصوص المختلفة.

      - القواعد العملية.
   كيف تدرس سفرًا
     - أخطاء نقع فيها
          * المعنى الحرفي
          * المعنى الرمزي (المجازي)
          * المعنى الروحي (الإنطباعي)
         
* المعنى العقائدي
     - خطوات دراسة سفر
          * اختيار السفر
          * قراءة خلفيات النص
          * قراءة السفر كله كجزء واحد أكثر من مرة
          * استخراج الكلمات والآيات المحورية
          * إعادة تقسيم السفر مع التحليل
          * دراسة كل جزء من أقسام التحليل على حدة
          * المقارنة بالتفاسير المختلفة
         
* التطبيق
   الخاتمة.
   ملحق الكتب المساعدة


 

مقدمة
«18فضَعوا كلِماتي هذِهِ علَى قُلوبِكُمْ ونُفوسِكُمْ، وارْبُطوها عَلامَةً علَى أيْديكُمْ، ولْتَكُنْ عَصائبَ بَيْنَ عُيونِكُمْ، 19وعَلموها أوْلادَكُمْ، مُتَكَلمينَ بها حينَ تجْلِسونَ في بُيوتِكُمْ، وحينَ تمْشونَ في الطريقِ، وحينَ تنامونَ، وحينَ تقومونَ. 20واكْتُبها علَى قَوائمِ أبوابِ بَيْتِكَ وعلَى أبوابِكَ».
(تث11 :18-21).
«16لِتَسْكُنْ فِيكُمْ كَلِمَةُ الْمَسِيحِ بِغِنىً، وَأَنْتُمْ بِكُل حِكْمَةٍ مُعَلمُونَ وَمُنْذِرُونَ بَعْضُكُمْ بَعْضًا، بِمَزَامِيرَ وَتَسَابِيحَ وَأَغَانِيَّ رُوحِيَّةٍ، بِنِعْمَةٍ، مُتَرَنِّمِينَ فيِ قُلُوبِكُمْ لِلرَّبِّ».
(كو3: 16).
يدعونا الله في العهدين القديم والجديد للالتصاق بالكلمة المقدسة بما يتماشى مع قداستها وأهميتها. ولكن مع تأثير البيئة المحيطة وكثرة المشاغل وضغوط العمل وازدحام الخدمة، تحولت العلاقة مع الكلمة المقدسة إلى مجرد كلمة تقرأ في بعض الأحيان، أو على سبيل عادة مسيحية، أو لتحضير خدمات وعظية وتحول الكتاب المقدس إلى مرجع للآيات.
لذا سنحاول في هذا الكتيب اتباع أسلوب مغاير لما هو مألوف في قراءة الكتاب المقدس بحيث يصبح هو حياتنا، وتدخل الكلمة إلى أعماقنا لتغيرنا من الداخل وتصير الجلسة التي نقضيها أمام الكلمة بمثابة المعمل الذي تتشكل فيه حياتنا من جديد فتتغير حسب إرادة الله.
يدعونا الرسول بولس في رسالته إلى أهل رومية
«تَغَيَّرُوا عَنْ شَكْلِكُمْ بِتَجْدِيدِ أَذْهَانِكُمْ».
(رو12: 1-2).
فكيف يتحقق هذا التغيير ونحصل على الأذهان المجددة دون أن يتم التفاعل الحي مع الكتاب المقدس ومع قوة الصلاة والانكسار أمام شخص الله والاعتماد على الروح القدس الذي ينير أمامنا الكلمة المقدسة تتغير مبادؤنا واتجاهاتنا، ولا نساير مبادئ العالم!
لهذا الغرض عينه نطرح هذا الكتيب الذي يحوي بعض القواعد التي تساعد على قراءة الكتاب المقدس وعلى التعمق في دراسة سفر من أسفاره. هذا بالإضافة لبعض الجوانب الهامة التي تعطي لحياتنا أبعادًا جديدة تساعدنا وتعطي لقراءتنا للكتاب المقدس فائدة وبركة ومتعة.

كيف تقرأ الكتاب المقدس
تطالعنا الصحف اليومية كل صباح بأخبار جديدة وعناوين لأهم الموضوعات والمتغيرات العالمية. وما من إنسان مهما بلغت درجة ثقافته إلا ويتوق لقراءة الجريدة الصباحية، وسرعان ما ينتهي الشوق بمجرد النظر إلى العناوين الرئيسية المكتوبة بالخط العريض، التي سيستدل منها على مضمون ما كُتب بالخط الصغير.
إننا نتبع نفس النهج في قراءتنا للكتاب المقدس، الذي صرنا نتعامل معه على أنه جريدة يومية، فنتشوق لقراءته لكن سرعان ما تزول لهفتنا عند قراءة الجزء المحدد. فالآيات معروفة مسبقًا وقد صار فهمنا لها أمرًا معروفًا من عظات سابقة أو من معان مألوفة عند الشعب المسيحي فلا تضيف الآيات شيئًا جديدًا إلى حياتنا. بل إننا أحيانًا ما نفرض على الكلمة المقدسة مفاهيمنا نحن بدلاً من غرسها في أعماقنا حتى تغير حياتنا.
لذا فهذه القواعد من شأنها أن تساعدنا على التركيز في القراءة والاستفادة منها قدر الإمكان ليعود سلطان الكلمة الحقيقي على نفوسنا.
آخذين بعين الاعتبار:
1 - ينبغي استخدام الكتاب المقدس لقراءة كل الشواهد التي استعنا بها في هذا الكتيب كأمثلة للمساعدة على فهم القصد الذي نبغي توضيحه.
2 - لا توجد طريقة محددة لقراءة الكتاب، وما سنذكره هنا سيساعد فقط على توضيح بعض الأخطاء التي قد نقع فيها أثناء القراءة.
3 - سوف نستعرض نوعين من القواعد التي ينبغي اتباعها وسوف نطلق عليها القواعد الفنية والقواعد العملية.

أولاً: القواعد الفنية
(1) ضرورة القراءة بالتشكيل
ولا يقصد بها تعقيدات اللغة بل قراءة الكلمة بنفس المعنى الذي قصده الكاتب الأصلي، لأن اللغة العربية مبنية على التشكيل إلى حد كبير. وبتغيير تشكيل الكلمة تصبح لها معاني مختلفة وبالتالي فعندما تُقرأ بتشكيل مغاير ستعطي معنى مغايرًا لما قصده الكاتب. والتشكيل الصحيح يُظهر المعنى الدقيق للآية. وهناك أمثلة عديدة تدل على خطورة عدم الانتباه للقراءة بالتشكيل. ونذكر منها:
أ - غلاطية 3:3
إذا كانت كلمة "تكملون" بدون تشكيل فمن الممكن أن تُقرأ بطريقتين: الأولى "تُكْمِلون" يفيد التكملة أي تتمة المشوار ويصبح معنى العدد: "بعد أن ابتدأتم بالروح تريدون أن تكملوا حياتكم بالجسد". ومن الممكن بناء على ذلك أن نعظ عن أهمية السلوك بالروح وليس السلوك بالجسد، وأيضًا كلمة الجسد هنا تفهم على أنها عكس الروح أي كل ما هو جسدي.
القراءة الثانية: «تُكَمَّلونَ» يفيد الكمال فيصبح معنى العدد بعد أن تكملتم أمام الله بعمل الروح تريدون أن تتكملوا أمام الله بأعمال الجسد وهنا يكون المقصود أن عمل المسيح الذي أتمه لا يحتاج إلى شيء يكمله
حتى لو كان هذا الشيء هو أعمال الجسد والمقصود هنا الختان.
وهكذا نلاحظ اختلاف المعنيين تمامًا. ولكن إن راعينا التشكيل الواضح في العدد نجد الضم في أولها والتشديد على حرف الميم وضم اللام وبالتالي تقرأ "تُكمَّلون" وهذا يعني أن القراءة الثانية هي الصحيحة.
ب - 2 تيموثاوس 3: 4
«... مُحِبِّينَ لِلَّذَّاتِ... » فكلمة "للذات" في هذا العدد هل هي بمعنى النفس (الأنا) أم هي بمعنى المسرات والمتع المختلفة؟ بالانتباه إلى الشدة الموضوعة على حرف اللام الثاني فإنها ستعطي معنى المسرات والمتع المختلفة وهذا هو المقصود.
ج - أعمال 24: 27
«وَإِذْ كَانَ... يُودِعَ الْيَهُودَ مِنَّةً، ... » يمكن أن تقرأ كلمتا (يودع) و (منه) بدون تشكيل وستعطي معنى أن فيلكس يريد (الوداع) وبالتالي فإن كلمة (منه) لا معنى لها في حين أن المعنى يتغير عند وضع التشكيل الصحيح وهو أن فيلكس يريد أن (يترك) لليهود (مِنَّة) أي هدية أو هبة، وبالتالي أعطى التشكيل للعدد معنى واضحًا.
د - رومية 10:10
من الممكن أن يُفهم هذا العدد بحيث تعود كلمة "به" على المسيح، فالقلب يؤمن به أي بالمسيح والفم يعترف به أي بالمسيح. ولكن إذا لاحظنا التشكيل الصحيح الموجود على كلمتي "يؤمَنُ" "يُعترف" نكتشف أن كلمة "به" تعود على القلب والفم إذ هي وسيلة الإيمان ووسيلة الاعتراف فيكون المقصود بالعدد "لأن القلب هو وسيلة الإيمان للبر والفم هو وسيلة الاعتراف لإظهار الخلاص".
وهكذا فإن العديد من الأمثلة تُظهر أهمية القراءة بتشكيل صحيح وهذا يستوجب التركيز الشديد أثناء القراءة لأننا أمام الكتاب المقدس الذي يعلن عن شخص الله. وكم يعتقد الكثيرون أن هذا الأمر ليس بهذه الدرجة من الأهمية وأن هذا نوع من أنواع المظهرية إلا أن الكتاب المقدس قد كُتب في الواقع لكي يُفهم.

(2) القراءة في ضوء القرينة (سياق النص)
وكلمة "القرين" في اللغة العربية تعني (الصاحب). وفي فهم النص الكتابي يكون المقصود هو الجزء المصاحب للآية أو ما يسمى سياق النص. وهناك الكثير من الكلمات والجمل التي تُعطي معاني مختلفة باختلاف القرينة المرافقة. فعلى سبيل المثال كلمة (البيت) تعني المنزل ويمكن أن تكون (الشقة) وتستخدم أحيانًا بمعنى (العائلة) وذلك بحسب المكان والبيئة. وهذا يعود إلى موضع الكلمة في الجملة وموقع الجملة من الفقرة بالإضافة إلى تأثير بعض العادات والتقاليد على مفهوم الكلمة. وينطبق هذا على قراءة الكتاب المقدس فإن كلمات وآيات كثيرة ستعطي معنى مختلفًا وبعيدًا عن ذاك الذي ستوضحه القرينة الخاصة بها فيما لو فهمت من خلالها. فهناك الكثير من الكلمات التي تُعطي بُعداً ومعنى مختلف يختلف بإختلاف سياق النص مثل كلمة "الناموس" فنجدها بمعنى "شريعة موسى" كما استخدمها بولس الرسول في رسالته إلى رومية وأيضاً إلى غلاطية وجاءت بمعنى آخر هو "قانون أو نظام"
وأيضاً نجد كلمة "الخلاص" تظهر في الكتاب بأكثر من معنى وليست كل كلمة "خلاص" تعني المفهوم اللاهوتي للخلاص من الخطية فنجد مثلاً في:
1 خروج 14 :13،30 خلاص الرب بمعنى الإنقاذ من الأعداء.
2 مزمور 33: 16 يخلص بمعنى الانتصار في الحرب.
3 لوقا 7: 50 خلصك بمعنى الغفران والمسامحة عن الخطايا.
4 - لوقا 8: 36 خلص بمعنى الشفاء من المرض.
وأيضًا كلمة "القلب":
1 نحميا 4: 6 قلب بمعنى إصرار وعزيمة (هدف ورؤية).
2 متى 6: 21 قلبك بمعنى الفكر.
3 يعقوب 4: 8 قلوبكم بمعنى الضمير.
4 - 2بطرس 1: 19 قلوبكم بمعنى العقل.
وكذلك الأمر بالنسبة للآيات، إذ نجد مثلاً قد استخدمه المسيح بأكثر من معنى وذلك بحسب اختلاف القرينة وهو "مثل الخروف الضال" كما ذُكر في: (لو 15: 1-7) و(مت 18: 10-14).
وفي الجدول التالي سوف يتم استعراض لاختلاف المعاني عن طريق التعرف على القرينة المختلفة للمثالين:


بالنظر إلى هذا الجدول نكتشف ان في لو 15: 1-7 قال المسيح المثل ليرد على الكتبة والفريسيين الذين تذمروا لتناوله الطعام مع الخطاة. وأخبرهم عندئذ أنهم مسئولون عن ضياع خراف كثيرة بسبب برهم الذاتي. لذا تحدث عن الذي يملك (أي فريسي) مائة خروف وأضاع واحدًا منها (أيْ خطاة). وقد ختم السيد المسيح المثل بقوله إن السماء تفرح بخاطئ واحد يتوب أكثر من تسعة وتسعين بارًا لا يحتاجون إلى توبة. وهذا يعني أن الذين لا يحتاجون إلى توبة هم الذين يظنون أنفسهم أبرارًا بدرجة كافية (الفريسيون والكتبة) وليسوا بحاجة للرجوع إلى الله. أما في إنجيل مت 18 :10-14 نجد أن المسيح استخدم هذا المثل في ضوء قرينة أخرى فكان يشرح لتلاميذه أن مشيئة الآب السماوي لا تسمح بأن يُهلك أحد وأن المسيح جاء لأجل الضال. فشبه الخروف الذي ضل بالإنسان المؤمن الذي يضل وعملية البحث المستمرة من جانب الإنسان الذي يملك المائة خروف تشبه مشيئة الآب السماوي التي تبحث عن الضال (المؤمن الضعيف) حتى لا يهلك.
نلاحظ أن ذكر نفس المثل مع اختلاف القرينة في كلا الموضعين أعطى لنا معنى آخر واستخدامًا جديدًا مختلفًا لذات المثل.

- أنواع القرائن ودورها في إيضاح المعاني:
أ. القرينة المباشرة (القريبة)
ويقصد بالقرينة المباشرة أقرب جزء من النص للعدد. وقد يصل هذا الجزء القريب إلى أعداد قليلة قبل العدد أو بعده أو قد يشمل الأصحاح بأكمله. وهناك أعداد لا يستدل على معناها الدقيق بعيدًا عن القرينة المباشرة. وكثيرًا ما نستخدم ونردد عبارات كتابية بعيدًا عن معناها الذي يظهر بكل وضوح من خلال القرينة المباشرة، ومع تكرار المعنى الغير صحيح وبمرور الزمن نجده وقد ترسب في داخلنا ليخرج باتجاهات فكرية أو سلوكيات عملية. وإليكم بعض الأمثلة:
* إشعياء 6 :8
«8ثُمَّ سَمِعْتُ صَوْتَ السَّيِّدِ قَائِلاً: «مَنْ أُرْسِلُ؟ وَمَنْ يَذْهَبُ مِنْ أَجْلِنَا؟» فَقُلْتُ: «هأَنَذَا أَرْسِلْنِي».
يُفهم هذا العدد دائمًا على أنه دعوة للكرازة وإعلان الإنجيل، ويشجع الواعظون أعضاء الكنائس على الكرازة بناء على هذا العدد. ولكن إذا نظرنا بتدقيق أكثر سوف تكشف لنا القرينة التي تبدأ من العدد الأول حتى العدد الأخير من الأصحاح أن ع8 ما هو إلا دعوة للبحث عن شخص يعلن دينونة الله للشعب لا عن الدعوة للكرازة وإعلان الخبر السار.
*مزمور 127 :4
«كَسِهامٍ بيَدِ جَبّارٍ، هكذا أبناءُ الشَّبيبَةِ».
من الطبيعي عندما نقرأ هذه الآية بعيدة عن الجزء الذي ذُكرت فيه تُظهر أن الجبار في هذه الآية هو الله الذي يمسك بيده الشباب كسهم ولكن إذا رجعنا للجزء كله في المزمور نجد من ع13-15 أن كاتب المزمور يتكلم عن الأبناء اذ هم ميراث من عند الرب وإن الرجل عندما يتزوج وينجب وهو شاب يكون كرجل بيده مجموعة من السهام يستطيع أن يحارب بها وهذا يتضح من ع14 عندما يذكر: طوبى للذي ملأ جعبته منهم أي من ينجب أولاد (الذين هم ميراث من عند الرب) وهو في سن مبكر يستطيع أن يتسلح بهم.
* أعمال 27 :15
«...سَلَّمْنَا، فَصِرْنَا نُحْمَلُ....».
لو قُرىء هذا العدد بعيدًا عن القرينة الخاصة به لفهمنا أنه عند تسليم أنفسنا إلى الله والاتكال عليه سيحملنا الرب على يده فوق مشاكلنا. مع أن القرينة التي تبدأ من الأعداد 14 وحتى 20 تُظهر أن هذا وصف قيل عندما فقدت الجماعة كل أمل في النجاة ولم يعد بالإمكان مقاومة الرياح التي أتت عليهم فاستسلموا للرياح التي حملت السفينة في الاتجاه الذي تحدده الرياح أي أن الرياح أخذت تتلاعب بالسفينة.
ملاحظات:
(1) نرى مما سبق أنه يتوجب علينا قراءة الكتاب المقدس بعيدًا عن أية خلفية عرفناها مسبقًا للآيات، وأن الآيات مرتبطة ببعض ولا نستطيع بناء عقيدة ما على آية واحدة فقط.
وكثيرة هي الأمثلة التي نقرأها في الكتاب المقدس بفكر مسبق وبعيدًا عن القرينة مما يجعلنا لا ندرك المعنى الحقيقي للنص.
(2) إن القرينة المباشرة (القريبة) تساعد على فهم أجزاء كثيرة في الكتاب المقدس أما باقي أنواع القرائن فهي تفيد في الدراسة المتعمقة.

ب. القرينة البعيدة
يقصد بها السِّفر أو الرسالة بأكلمها التي جاءت فيها الآية إذ يناقش كل سفر من أسفار الكتاب هدفًا عامًا أو أكثر، ولدى فهمنا لما يستعرضه السفر تتضح معاني الآيات التي احتواها.
* مثال ذلك موضوع الإيمان والأعمال
«14مَا الْمَنْفَعَةُ يَا إِخْوَتِي إِنْ قَالَ أَحَدٌ إِنَّ لَهُ إِيمَانًا وَلكِنْ لَيْسَ لَهُ أَعْمَالٌ، هَلْ يَقْدِرُ الْإِيمَانُ أَنْ يُخَلصَهُ؟ ... 17هكَذَا الْإِيمَانُ أَيْضًا، إِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ أَعْمَالٌ، مَيِّتٌ فيِ ذَاتِهِ. 18لكِنْ يَقُولُ قَائِلٌ:«أَنْتَ لَكَ إِيمَانٌ، وَأَنَا لِي أَعْمَالٌ»أَرِنِي إِيمَانَكَ بِدُونِ أَعْمَالِكَ، وَأَنَا أُرِيكَ بِأَعْمَالِي إِيمَانِي... 20وَلكِنْ هَلْ تُرِيدُ أَنْ تَعْلَمَ أَيُّهَا الْإِنْسَانُ الْبَاطِلُ أَنَّ الْإِيمَانَ بِدُونِ أَعْمَالٍ مَيِّتٌ؟...24تَرَوْنَ إِذًا أَنَّهُ بِالْأَعْمَالِ يَتَبَرَّرُ الْإِنْسَانُ، لا َبِالْإِيمَانِ وَحْدَهُ».
(يعقوب 2 :24،20،14،17،14،12)
وبالمقارنة بالآيات التي جاءت في غلاطية
«16إِذْ نَعْلَمُ أَنَّ الْإِنْسَانَ لاَ يَتَبَرَّرُ بِأَعْمَالِ النَّامُوسِ، بَلْ بِإِيمَانِ يَسُوعَ الْمَسِيحِ، آمَنَّا نَحْنُ أَيْضًا بِيَسُوعَ الْمَسِيحِ، لِنَتَبَرَّرَ بِإِيمَانِ يَسُوعَ لاَ بِأَعْمَالِ النَّامُوسِ. لِأَنَّهُ بِأَعْمَالِ النَّامُوسِ لاَ يَتَبَرَّرُ جَسَدٌ مَا.... 11وَلكِنْ أَنْ لَيْسَ أَحَدٌ يَتَبَرَّرُ بِالنَّامُوسِ عِنْدَ اللهِ فَظَاهِرٌ، لِأَنَّ «الْبَارَّ بِالْإِيمَانِ يَحْيَا»... . 24إِذًا قَدْ كَانَ النَّامُوسُ مُؤَدِّبَنَا إِلَى الْمَسِيحِ، لِكَيْ نَتَبَرَّرَ بِالْإِيمَانِ».
(غلاطيه 2: 16،3: 24،11 )
وبالعودة للقرينة البعيدة لكلا الرسالتين يتبين لنا القصد من هذا فتكشف لنا رسالة غلاطية عن سبب كتابتها وهو ظهور بعض التقاليد التي نادى بها بعض المعلمين وهم يدعون للتمسك بالتعاليم الموسوية القديمة وهي العودة إلى الختان وخصوصًا للأمميين. فما كان من بولس الرسول إلا توضيح أنه بالإيمان وحده فقط يتبرر الإنسان لا بأعمال الناموس متخذًا حياة إبراهيم نموذجًا لذلك. في حين كان هدف رسالة يعقوب هو الإيمان العامل والسلوك المسيحي بمعنى أنها تتكلم عن الجانب العملي والاجتماعي لإيمان المسيحي. وبذلك فإن يعقوب الرسول وضح كيفية التبرير أمام الناس (براءة الايمان) أما الرسول بولس فتكلم عن التبرير أمام الله (أي ما يقبله الله وهو عمل المسيح الكامل).
وهناك أمثلة عديدة تؤكد أن فهم الآيات يستند على فهم السفر ككل. فمثلاً قد نتساءل عن سبب ذكر متى البشير في إنجيله لكثير من الآيات المأخوذة من العهد القديم وكذلك سلسلة نسب المسيح، والإجابة على هذا التساؤل تتضح بمعرفة هدف السفر كله، إذ يُظهر المسيح الذي تمت فيه كل الوعود والنبوات التي تنبأ بها الأنبياء. ويبرهن على ذلك بالاستعانة بشواهد من نبوات العهد القديم وهو حلقة وصل بين العهدين القديم والجديد.
أما إنجيل مرقس فيهتم بالمسيح الخادم، فيذكر كل ماعمله المسيح ولا يهتم بذكر التعاليم والمواعظ وهو يعرض ذلك بأسلوب تاريخي متسلسل. ويركز إنجيل لوقا على أن يسوع هو المخلص الإلهي للعالم أجمع إذ تراه يتعامل مع السامريين واليهود ويملك المخلص القدرة الإلهية على شفاء النفس والجسد شفاء كاملاً للدهر الحاضر وإلى الأبد.
بينما يتكلم يوحنا البشير في إنجيله عن لاهوت المسيح للرد على البدع المختلفة التي ظهرت في زمانه والتي تشكك في لاهوت المسيح.
وهذا يؤكد أن فهمنا لموضوع السفر وهدفه (القرينة البعيدة) يلعب دورًا هامًا في فهم الآيات وسبب كتابتها.

ج. القرينة الكتابية
ويقصد بها الكتاب المقدس بأكمله كوحدة متكاملة بمعنى أن بعض الآيات والكلمات والمعاني لا تُفهم إلا في ضوء فهمنا للكتاب المقدس ككل. مثال ذلك:
* مفهوم "ملكوت الله"
لا نستطيع إدراكه من خلال آية أو سفر معين ولكن من خلال الكتاب كله لأن مفهوم الملكوت في العهد القديم له إطار، ومفهوم الملكوت في العهد الجديد له إطار آخر وهما يكملان بعضهما البعض حتى يظهر معنى ملكوت الله.
* علاقة الناموس والنعمة
نقع في خطأ كبير عندما نعلن أن العهد الجديد هو فقط عهد النعمة وأن العهد القديم هو فقط عهد الناموس. وننسى أن النعمة كانت موجودة أيضًا في العهد القديم ويوجد في العهد الجديد ناموس أيضًا ولكن النعمة في العهد القديم لها إطار مختلف عن العهد الجديد وكذلك الناموس أيضًا. فلكي نفهم النعمة والناموس وما هما يجب أن نحصل على ذلك من خلال الكتاب المقدس ككل.
ولذلك يجب أن نتعامل مع الكتاب المقدس كوحدة واحدة متكاملة مترابطة.

د. القرينة التاريخية
وتعني الظروف والأحداث والتواريخ والعادات والتقاليد والحضارات المختلفة التي صاحبت زمن كتابة السفر.
فكثير من الآيات يستدل على المعنى المراد منها عند المعرفة الحقيقية للخلفية التاريخية. فقبل الدخول إلى أعماق رسالة الرسول يوحنا الأولى نجد أن هناك تعاليم خاطئة دخلت إلى كنيسة أفسس في نهاية القرن الأول الميلادي مما جعل الرسول يوحنا يرد على هذه التعاليم مستخدمًا بعض التركيبات اللغوية والتي تعتبر غريبة علينا. وهذه التعاليم تمثلت في ثلاث مدارس فكرية وهي:
* فكر الغنوسية
والتي من أفكارها أن العالم المادي شر لا يمكن أن ينسب خلقه إلى الله وبالتالي رفضت التجسد ودخول الله إلى العالم والتاريخ وأيضًا جردت يسوع المسيح من ألوهيته.
كما أن هناك فكرها عن الخطية والجسد والمتمثل في أحد المواقف الثلاثة التي رد عليها يوحنا الرسول:-

* فكر الدوستية
نادى أصحاب هذا المبدأ بأن جسد يسوع كان شبحًا أو خيالاً أو مظهرًا لكنه لم يكن جسدًا ماديًّا وأن يسوع قد بدا وظهر لتلاميذه أنه جاع وعطش وأنه بكى وحزن وفرح وأنه تألم وصلب ومات... كل هذا في الظاهر فقط. وذهبوا إلى حد القول بأن الذي صُلب في الواقع بدلاً منه "سمعان القيرواني" لذلك كان رد يوحنا الرسول عليهم في:
«1اَلَّذِي كَانَ مِنَ الْبَدْءِ، الَّذِي سَمِعْنَاهُ، الَّذِي رَأَيْنَاهُ بِعُيُونِنَا، الَّذِي شَاهَدْنَاهُ، وَلَمَسَتْهُ أَيْدِينَا، مِنْ جِهَةِ كَلِمَةِ الْحَيَاةِ».
(1يو 1:1)
«3وَكُلُّ رُوحٍ لاَ يَعْتَرِفُ بِيَسُوعَ الْمَسِيحِ أَنَّهُ قَدْ جَاءَ فيِ الْجَسَدِ، فَلَيْسَ مِنَ اللهِ. وَهذَا هُوَ رُوحُ ضِدِّ الْمَسِيحِ الَّذِي سَمِعْتُمْ أَنَّهُ يَأْتِي، وَالآنَ هُوَ فيِ الْعَالَمِ».
(1يو 4 :3)
«7لِأَنَّهُ قَدْ دَخَلَ إِلَى الْعَالَمِ مُضِلُّونَ كَثِيرُونَ، لاَ يَعْتَرِفُونَ بِيَسُوعَ الْمَسِيحِ آتِيًا فيِ الْجَسَدِ. هذَا هُوَ الْمُضِلُّ، وَالضِّدُّ لِلْمَسِيحِ».
(2يو 7)
* فكر المعلم كيرنثوس
نادى هذا المعلم بالفصل ما بين يسوع الإنسان والمسيح القدوس، وقال أيضًا يسوع كان إنسانًا وله ميلاد طبيعي مثل غيره، ولكن عند المعمودية اقترن يسوع الإنسان والمسيح القدوس معًا وقد عاش حياته في طاعة لكن في الأيام الأخيرة وقبل حادثة الصلب فارق المسيح القدوس حياة يسوع الإنسان. لذا فإن المسيح القدوس لم يتعرض أبدًا لأي ألم. وأصبح الذي تألم هو فقط جسد يسوع البشري. وهذا الجسد البشري وحده هو الذي مات وأيضًا قام.
لذلك كان رد يوحنا الرسول في رسالته كالآتي:
«22مَنْ هُوَ الْكَذَّابُ، إِلاَّ الَّذِي يُنْكِرُ أَنَّ يَسُوعَ هُوَ الْمَسِيحُ؟ هذَا هُوَ ضِدُّ الْمَسِيحِ، الَّذِي يُنْكِرُ الآبَ وَالِابْنَ. 23كُلُّ مَنْ يُنْكِرُ الِابْنَ لَيْسَ لَهُ الآبُ أَيْضًا، وَمَنْ يَعْتَرِفُ بِالِابْنِ فَلَهُ الآبُ أَيْضًا». (يوحنا الأولى 2 :23،22)
«5مَنْ هُوَ الَّذِي يَغْلِبُ الْعَالَمَ، إِلاَّ الَّذِي يُؤْمِنُ أَنَّ يَسُوعَ هُوَ ابْنُ اللهِ؟».
(يوحنا الأولى 5:5)
يتضح مما سبق أن هناك آيات كثيرة لا نستطيع الوصول إلى معناها وقوتها إلا إذا عرفنا الخلفية التاريخية التي صاحبت الكتابة في ذلك الوقت. وهناك العديد من الأمثلة في العهد الجديد التي تفرض علينا فهم ومعرفة الخلفية والقرينة التاريخية والاجتماعية لدى قراءة الكتاب المقدس.
فمثلاً لما ذكر الرسول بولس في رسالته إلى كولوسي « قد صالَحَكُمُ الآنَ 22 في جِسمِ بَشَريَّتِهِ بالمَوتِ،» فهذا تعبير غريب ولكنه مقصود لأن الرسول بولس كان يرد على الغنوسيين اللذين يدّعون أن السيد المسيح لم يأتٍ بجسد حقيقي وإنما بجسد غير ملموس.

(3) القراءة مع ملاحظة علامات الترقيم
ما هي علامات الترقيم وما أهميتها؟
ملاحظة هامة: في الطبعة الموجودة بين أيدينا لا توجد علامات ترقيم. ولكن في الطبعة الجديدة للكتاب المقدس فهي تحتوي على علامات الترقيم كما هي موجودة في الأصل
علامات الترقيم كثيرة ومنها الآتي:
النقطة (.) - الفصلة (،) - علامة الاستفهام (؟) - علامة التعجب (!) - علامة التنصيص ("") الأقواس ( ) وهكذا. فكل علامة تدل على شيء في القراءة وبالتالي على فهم المعنى وهناك أمثلة على أهمية استخدامها في الكتاب المقدس. وبالعودة إلى تاريخية الكتاب المقدس نعرف أن الأسفار والأناجيل والرسائل لم تُكتب في بداية تدوينها مقسمة إلى إصحاحات وأعداد وفقرات منتهية بنقاط. بل كتبت كقطعة واحدة وبعدها بزمن بعيد جاء من قسَّم الأسفار إلى إصحاحات وأعداد لتسهيل القراءة والبحث والدراسة، وأصبح الكتاب في وضعه الحالي.
فمن المعروف أن نهاية الجملة تقع بعدها نقطة (.) لذلك يجب أن نلاحظ عند قراءة الكتاب أنه ليس بالضرورة أن تكون نهاية الأصحاح هي نهاية الفكرة ولا بداية الأصحاح هي بداية لفكرة جديدة، بل قد تستمر الفكرة على مدار أصحاحين ونصف. وفي ترجمة (كرنيليوس فاندايك) للكتاب المقدس التي بين أيدينا نجد تصحيحًا لبعض التقسيمات. ففي سفر إشعياء نجد الأصحاح الثالث والخمسين يبدأ بآخر فقرة من الأصحاح الثاني والخمسين التي تبدأ مع13 لأن أصحاح 53 هو امتداد للفكرة التي بدأت في أصحاح 52.
* ومثال آخر في إنجيل مرقس، فإن الأصحاح التاسع يبدأ من آخر عدد في الأصحاح الثامن كي يظهر معنى الآية:
«إِنَّ مِنَ الْقِيَامِ ههُنَا قَوْمًا لاَ يَذُوقُونَ الْمَوْتَ حَتَّى يَرَوْا ابْنَ الْإِنْسَانِ آتِيًا فيِ مَلَكُوتِهِ».
لأن في إنجيل متى 16 :28 ومرقس 9 :1 ولوقا 9 :27 نجد أن حادثة التجلي تلي هذه الآية مباشرة وبذلك يُفهم القصد من هذه الآية بالتحديد.
وسوف نتحدث هنا عن أهمية كل علامة من علامات الترقيم مع بعض الأمثلة.
أ - أهمية علامة الفصلة (،) وكيف يتغير المعنى إذا وضعنا الفصلة قبل كلمة أو بعدها مما يجعلنا ندقق جدًا في قراءتنا للكتاب المقدس.
* فمثلاً نجد في يوحنا الأولى 3:3 أن وضع فصلة في منتصف العدد يغير من المعنى فإذا وضعنا فصلة بعد كلمة "الرجاء" ستعود كلمة "به" على الرجاء أما إذا وضعنا فصلة بعد كلمة "به" فسوف تعود على الشخص الذي يُعطي الرجاء.
القراءة الأولى: «3وَكُلُّ مَنْ عِنْدَهُ هذَا الرَّجَاءُ، بِهِ يُطَهِّرُ نَفْسَهُ كَمَا هُوَ طَاهِرٌ».
القراءة الثانية: «3وَكُلُّ مَنْ عِنْدَهُ هذَا الرَّجَاءُ بِهِ، يُطَهِّرُ نَفْسَهُ كَمَا هُوَ طَاهِرٌ».
* ومثال آخر في مزمور 94 :19 أيضًا من الممكن أن يكون لها معنيان حسب وضع الفصلة.
فالقراءة الأولى هي: «19عِنْدَ كَثْرَةِ هُمُومِي فيِ دَاخِلِي، تَعْزِيَاتُكَ تُلَذذُ نَفْسِي». أي أن الهموم هي التي بالداخل.
أما القراءة الثانية هي: «19عِنْدَ كَثْرَةِ هُمُومِي، فيِ دَاخِلِي تَعْزِيَاتُكَ تُلَذذُ نَفْسِي». أي أن التعزيات هي التي بداخلي.
فمن الواضح أن الفصلة علامة هامة جدًا تغير من المعنى لذلك يجب الانتباه إليها.
فالتركيز أثناء قراءة الكتاب المقدس أمر مطلوب لأنه ليس كتابًا عاديًا بل هو كتاب يعلن عن شخص الله. لذلك فهو يحتاج إلى كل جهد وتركيز واحترام في قراءته.
ب - أهمية علامة الاستفهام (؟) فمعنى الآية يتغير إذا كانت الجملة استفهامية أو خبرية. فأحيانًا نقرأ الآيات على أنها جمل خبرية بالرغم من كونها استفهامية أي بصيغة السؤال وبذلك يختلف المعنى.
* مثال ذلك الآية الموجودة في يوحنا 12 :27
«27اَلآنَ نَفْسِي قَدِ اضْطَرَبَتْ. وَمَاذ&